الشيخ محمد هادي معرفة

368

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » . « 1 » انظر إلى هذا الكرّ والفرّ ، والاستطراد والرجوع ، والمداورة العجيبة في الكلام . فقد بدأ الحديث بخطاب الجمع ، وعاد إلى الغيبة في فصل طويل ، ورجع أخيرا إلى مابدأ به أولًا ، ولكن في صورة أعمّ وأشمل ، فكأنّما الناس جميعا هم الحضور المخاطبون بهذا الكلام العام . قال ابن الأثير : إنّما صرف الكلام هاهنا من الخطاب إلى الغيبة بهذا الشكل البديع لفائدة كبرى ، هي : أنّه ذكر لغيرهم حالهم ، ليعجّبهم منها كالمخبر لهم ، ويستدعي منهم الإنكار عليهم . ولو قال : حتى إذا كنتم في الفلك وجَرين بكم . . . الخ ، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة . وليس ذلك بخافٍ على نقدة الكلام . « 2 » وممّا ينحو هذا النحو قوله تعالى : « إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ . وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ » ويستمرّ الحديث عنهم بخطاب الغيبة ، وينتهي إلى قوله : « إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ » . « 3 » الأصل في « تَقَطَّعُوا » تقطّعتم ، إلّا أنّه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات ، كأنّه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين ، ويقبّح عندهم ما فعلوه ، ويقول لهم : ألا ترون إلى عظيم ماارتكب هؤلاء في دين اللّه ، فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا ! وذلك تمثيل لحالة اختلافهم في الدين ، وتباينهم في معرفة الصلاح من الفساد ، ثمّ توعّدهم أخيرا بأنّ المرجع إليه ، وسوف يجازيهم على أعمالهم ، وهو شديد العقاب . وممّا يجري هذا المجرى قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي

--> ( 1 ) - يونس 22 : 10 - 23 . ( 2 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 181 . ( 3 ) - الأنبياء 92 : 21 - 98 .